دولة الرئيس نبيه بري.
يحاول الصحافي ان يكون مستقلاً من اجله، لا من اجل سواه. فمتى كان مستقلاً، كان حراً، وإذا كان حراً، كان موضوعياً، وبقدر ما كان مهنياً كان مرتاح البال. وهذه آخر مراتب الراحة في الحياة، لأن الأشياء نسبية والمقاييس بين الناس شتّى. وهنيئاً للذين يحاولون، في كل حال، وما هم بقلائل. أن تكون مستقلاً ليس ان تكون موضوعياً في مَن تعارض، سواء في السياسة أو في سائر الحقول، وخصوصاً في الشأن الوطني وقضايا الناس ومواضيع المصير. هنا يتساوى النقد الخطأ بالمدح الخطأ، ويكون الجور واحداً. والعكس صحيح ايضاً. لستُ أدّعي شيئاً في هذه الحياة، سوى أنني حاولت. كتبت في كل انواع الكتابات، ناقداً أو مؤيداً، ودائماً بضمير مرتاح. أحببت بحرية وانتقدت بحرية، وعندما لم تكن متوافرة، تمنّعت وابتعدت. وعندما اخطأت في حُكم ما، إنما اخطأت في حق نفسي اولاً، خصوصاً في شأن لبنان. وإنما أنا بشر، والبشر خطأ وصواب وضعف، كما قال خاتم النبيّين. الوطنية في لبنان محنة دائمة وامتحان يومي. إنها خوف دائم على الصواب. أما الخطأ فعادة سهلة، ومسافة قصيرة، وأكثر ثقلاً من الخيبة عندما يكون حجمها على مستوى الوطن، وأثرها على مدى المستقبل. وقد آثرتُ، في سنوات الجهل والوعي، ألّا أكون في حزب أو جماعة أو تجمّع أو جمعية، خوف الالتزام بخطأ جماعي. فكان كل ما التزمته فردياً، وما تراجعت عنه مسؤولية فردية في الحالتين. في السنوات الأخيرة أصبح الخيار الوطني أكثر تعقيداً على رجل مستقل وعنده حساسية من التحية العسكرية أو الحزبية. ففي الوقت نفسه أنا مع الجيش، ظالماً كان أم مظلوماً، شرط أن يكون واحداً وموحداً وعلى رأسه عسكري بأخلاق مدنية.
يتوقف كل شيء على الإنسان، لا على الطقم ولا على القبعة. لا أعتقد أن الإنسانية عرفت عسكرياً مثل شارل ديغول (لا رتبة ترتقي إليه) ولا مدنياً مثله. مقياسه الوحيد كان الأخلاق ورفعة النفس والضمير، وكانت عنده في أعلى مرتبة إنسانية ممكنة. لا يمين ولا يسار، كان يقول، وإنما فوق.لذلك، لا تتجرأ الشعوب أن تطلب في الازمان العادية رجلاً مثله، حتى لو كانت فرنسا. وتدرك الشعوب محدودية البشر والطاقة الإنسانية، فتعرف أن الأرحام لا تعطي دوماً بهذا السخاء. وهكذا تتمنى ان تُعطى قادة أقرب ما يكونون الى النبوغ والصدق والنزاهة والحكمة ودراية الحكم والرفق بالمحكومين. والسلطة فن ايضاً. لا شيء في الحياة من دون عبقرية الفن. لا تميّز إلا في التميّز، ولا نجاح إلا في النجاح. التاريخ لا يُزوَّق، ومرارته لا تُحلّى بجميع مواسم قصب السكر الكوبي. والزعامة “كاريزما”، التي لا ترجمة حرفية لها. جون كينيدي كان يتمتع بـ”كاريزما”. دونالد ترامب، ليس، ولا جو بايدن. فيلان في مخزن الخزف ورهبة عالمية من ان يكون زمن العاديين قد أصاب أيضاً أقوى قوة في العالم. لوريل وهاردي، لمن يذكرون. رجلان متعثران بنفسيهما، واحد وزن الريشة، واحد وزنه الشخصي. الزعامة الكبرى اعمال كبرى ورجل كبير. هذا البيت الأبيض كان فيه ذات مرحلة فرانكلين ديلانو روزفلت. وكانت اميركا في اسوأ حالات الركود والفقر والهزيمة. حقق FDR ثلاثة اشياء: وضع دجاجة في مطبخ كل اميركي. وفتح ابواب جميع الجامعات، بما فيها هارفرد، التي جاء هو منها، أمام كل اميركي مستحق، وربح الحرب العالمية الثانية. وكان مؤدباً عفيف اللسان. ايضاً عفّة اللسان، من فروض القيادة. أيها السادة في أرجاء المسكونة، رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه. دعونا من نتائج الانتخابات في اميركا، ونتيجة الصراع في بيلاروسيا، والمؤامرات “الكونية” على تياراتنا العظمى. جرِّبوا، بدل ذلك، دعم الليرة والطحين والدواء والاقساط المدرسية. جرِّبوا التواضع والكفّ عن إعطاء الدروس المالية الى اميركا (بلاد روزفلت) وبريطانيا بلاد ونستون تشرشل، رفيقه في ذلك العصر. يومها كان الزمن مقسماً بين هتلر وموسوليني، وبين روزفلت وتشرشل. وكان ديغول يقود المقاومة الفرنسية في لندن.
فاجأ الناس نبيه بري بأنه مَن يفاوض حول حدودنا البحرية مع اسرائيل. ما علاقة رئيس الهيئة التشريعية بمسألة من هذه الطبيعة؟ ذات مرة كان الرئيس الراحل الياس الهراوي في زيارة رسمية الى البرازيل عندما خاضت “أمل” والجيش معركة ناجحة ضد الاسرائيليين في أنصار. وبدل ان يتصل برئيس الحكومة رفيق الحريري اتصل برئيس البرلمان. وعندما عاد من البرازيل لفتُّ نظره الى الأمر. وقال لي بلهجة ولغة زحلاوية مقطّرة: معك حق. “هيدي الأصول. ما فعلته أنا هو أصول الأصول”. مرة أخرى تساءلت في نفسي عن الاصول عندما سافر الرئيس بري الى قبرص قبل نحو عشر سنين لكي يتباحث مع رئيسها في شأن الحدود البحرية والثروة الغازية المشتركة. واكتفيت بجواب الرئيس الهراوي. فعندما يكون عندك رجل دولة مثل نبيه بري، حاول ان تَتَعلم لا أن تُعلِّم. وعندما يكون في بلدك رجل ازمات ومآزق ومشاكل وطرق مسدودة، فتذكَّر ان الحل في عين التينة، حيث يعمل صاحب الدار بما يعلم. ويقضي بما يحمي.الاعتماد على خيارات الرئيس بري في شؤون لبنان، فيه حكمة للنفس وراحة للضمير. إذا اصاب، يصيب كرجل دولة، وإذا جانبه الصواب، فلأسباب عند رجل الدولة. لا خفّة ولا مغامرة بلبنان ولا مقامرات قصيرة النظر. ثمة استمرارية ثابتة في دولة دولة الرئيس تتحرك من ضمنها الضرورات، وليس ضدها. والذين يأخذون عليه ظرفه، أو يحبونه فيه، يعرفون ان نقطة الارتكاز واحدة لا تتغير، واللغة واحدة لا تتبدل. لم نسمعه مرة يلقي اللوم على أحد أو يرمي مسؤوليته على أحد. ليس نبيه بري مَن يحمّل انفجار 2750 طناً أمونيوم على شرارة تلحيم أو مفرقعات قيصر عامر. إنه يعرف ان تفجير الجحيم يحتاج الى اكثر من ذلك. كما ان اكتشاف السمكري يحتاج الى اكثر من خمسة ايام وخمس ليال.في ملمّات لبنان، وهي كثيرة، يبرز نبيه بري مرجعاً للجميع، ومحاوراً حتى للذين لا يقدرون على محاورة أحد سوى أنفسهم. ما أخسرَ الذين لا طاقة لهم على الحوار. اسوأ مثال كانت المبارزة بالألسنة الطويلة بين مرشحَي الرئاسة الاميركية. تذكَّرنا لغة الاحزاب والمواقع في لبنان. وشعرنا بالخوف والتقزز. وازددنا تقديراً للرجل الذي يطلب محو السباب من محضر الجلسة، وجميع المجالس، فوالله… يليق بك المقام.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package