
نبيه البرجي
تأكيد من ديبلوماسي فلسطيني , بعيد كلياً عن الخط السياسي , والخط العقائدي , لحركة “حماس” , بأن هناك طيارين عرباً يتدربون في اسرائيل يشاركون في الغارات على لبنان وغزة !
لا تعنينا “حماس” , ونعلم أن هناك دولاً عربية ترى في “الاخوان المسلمين” أحصنة طروادة ـ ولطالما كانوا أحصنة اسطنبول ـ الذين يريدون العودة بتلك الدول الى القرون الوسطى , كما لو أننا لسنا على تخوم القرون الوسطى . لكننا , الآن , أمام الفلسطينيين . هؤلاء الذين هزوا العروش الأمبراطورية , وهزوا الهيكل , ليقولوا أن فلسطين ما زاالت , وتبقى , حية مدى الدهر .
الغرنيكا الفلسطينية فتحت عيوننا , أكثر فاكثر , على كوننا بقايا بشرية تصر على البقاء ما تحت الزمن , دون أن يكون لنا موطئ قدم ولو لذبابة على المسرح الدولي . دول مفككة , مجتمعات مفككة . تذكرون ما قاله معمر القذافي , لدى محاصرته في مقر اقامته , “نحن قبائل” . بعد أربعة عقود من تلك الكوميديا ( بدعة اللجان الثورية) , اعترف بأنه وضع شعبه , طوال تلك المدة , تحت عباءته , لا تحت عباءة العصر , لنرى ليبيا الآن , بثرواتها الهائلة , حلبة للصراع بين القوى العظمى , وقد تمزقت ارباً ارباً .
دعونا ننسى أننا عرب , وقد نسينا , منذ 1400 عام , أننا مسلمون , وننظر الى تلك الكمية البشرية التي تعيش بين الأنقاض , وبين جثث الآباء والأمهات , كما بين جثث الأطفال . الآلاف وهم يأكلون علف المواشي , فيما الذين يفترض أن يكونوا أهلهم يستعيدون , تحت الثريات , ليالي ألف ليلة وليلة .
واذا كنا على بيّنة من الثقافة التوراتية التي تحث على اجتثاث الآخر , ماذا عن الذين ياخذون بالثقافة القرآنية , وتضج بأدعيتهم , وبمواعظهم , مكبرات الصوت ؟
من ذاك التيه الأبدي , نسأل أين مصر , أمّنا ومرجعيتنا , وهي في حالة من الانكفاء الذي مثلما يثير ذهولنا يثير ريبتنا . أيها الرئيس عبد الفتاح السيسي , أين أنت من ليبيا وقد أصبح السلطان العثماني , ووكلاؤه , على أرضها ؟ وأين أنت من البحر الأحمر , وهو بحر الفراعنة , وقد رأينا وزير الدفاع التركي يوقع مع نظيره الصومالي , اتفاقاً أمنياً بحرياً لعشر سنوات ؟ وأين أنت من السودان الذي اذا ما تفكك تفككت أرض الكنانة ؟ كم تألم أمل دنقل , صاحب “لا تصالح” حين رأى النيل يبكي !!
لن ننسى مافعله رجب طيب اردوغان بمصر (ويبدو أن الكوندومينوم التركي ـ الاسرائيلي ماض على قدم وساق) , دون أن نفاجأ بالرئيس التركي الذي يحتل أجزاء من سوريا واجزاء من العراق , يظهر في القاهرة , بقامته السلطانية , ليكتب الصحافي التركي ايراي غوتشلور , في صحيفة “أكشام” , عن محور استراتيجي بين القاهرة وأنقرة , يمتد الى بلدان عربية أخرى .
اذا نقول للرئيس السيسي , كن محمد علي باشا , الأرناؤوطي الذي دق بحذائه على باب الباب العالي , والذي قال ان الدم العربي يجري في عروقه , نذكّر ماذا تعني سوريا لمصر , بل وماذا تعني لكل العرب , حين نرى اردوغان الذي يحتل أرضها ينظر بافتتان الى القاذفات الاسرائيلية وهي تضرب حتى دمشق . أكثر من ذلك , أطفال غزة يبحثون عن روث المواشي , فيما السفن التركية المبردة تنقل اللحوم , والأسماك , والخضار , الى القتلة …
لسنا ضد تركيا , بأي حال , بل نتمنى أن تكون شريكة في منظومة اقليمية تحد من سيطرة القوى العظمى , ولكن اذ لا نفاجأ بغيبوبة العرب , نفاجأ بالعلاقات على مصراعيها بين أنقرة وتل أبيب .
لا منطق يحكم العرب . لا منطق يحكم المنطقة كمسرح للصراعات العبثية . كما لا منطق يحكم المسلمين , مع اصرارنا على أن ما يدعى”العالم الاسلامي” ليس فقط بدعة لغوية بل وفضيحة لغوية .
بالصوت العالي , ذاهبون , بالرغم من كل ذلك الصياح , وبالرغم من كل ذلك الدم , نحو الأسوأ . العرب على كوكب آخر . الخليفة العثماني يمد الاسرائيلييين بما يحناجونه لمواصلة القتال (تماماً كما فعل الشاه المخلوع أثناء حرب 1973 . لا سقف , لا جدران , للعرب . أبوابنا مشرعة للحاخامات الذي يرون فينا الديدان البشرية .
راهنّا كثيراً على الزلزال . غزة التي لم يستطع الاسرائيليون قتلها يقتلها العرب . احملوا جثثكم على ظهوركم , وتوجهوا بالصلاة الى الهيكل (أو الى الكابيتول) بدل الكعبة . كفانا طقوساً فولكلورية …
المصدر: جريدة الديار
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package