
نحو طاقة تشاركية في لبنان… نماذج عالمية ورؤى محلية لإصلاح قطاع الكهرباء
تطرح دراسة أعدّتها مجموعة إيبلا البحثية (Ebla Research Collective)، بدعم جزئي من المعهد الفرنسي للشرق الأدنى والوكالة الفرنسية للتنمية، مقاربة مختلفة لأزمة الكهرباء في لبنان، تقوم على دراسة إمكان تطوير نماذج للطاقة التشاركية والمجتمعية، والاستفادة من تجارب دولية يمكن تكييفها مع الواقع اللبناني.
وتنطلق الدراسة من واقع بات واضحًا منذ سنوات: اللبنانيون يعتمدون على منظومات هجينة ولامركزية لتأمين الكهرباء، في ظل عجز مؤسسة كهرباء لبنان عن تلبية الطلب، وانتشار المولدات الخاصة، والطفرة الكبيرة في الطاقة الشمسية منذ الأزمة المالية عام 2019.
وترى الدراسة أن الانتقال إلى الطاقة المتجددة لا ينبغي أن يُقاس بالتكنولوجيا والإنتاج فقط، بل أيضًا بطريقة امتلاك الطاقة وتمويلها وإدارتها وتنظيمها، ومدى مشاركة المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار والاستفادة من عوائدها.
من أزمة الكهرباء إلى نماذج بديلة
تربط الدراسة أزمة الكهرباء اللبنانية بعقود من ضعف الحوكمة والتجاذبات السياسية والفساد وتراجع دور الدولة. وحتى قبل الانهيار المالي، لم تكن مؤسسة كهرباء لبنان قادرة على تغطية كامل الطلب، ما دفع الأسر والمؤسسات إلى الاعتماد على آلاف المولدات الخاصة.
ومع أزمتي 2021 و2024، تفاقمت المشكلة نتيجة نقص الوقود وتوقف محطات التوليد، فيما أصبح قطاع المولدات واقعًا قائمًا يضم نحو 11 ألف مشغّل، بحسب الدراسة، في ظل ارتفاع كلفة الكهرباء وتفاوت مستوى الخدمة.
وفي المقابل، شهد لبنان طفرة في الطاقة الشمسية. فقد ارتفعت القدرة المركبة للأنظمة الشمسية الكهروضوئية بنحو سبعة أضعاف منذ بداية الأزمة، فيما ارتفعت مساهمة الطاقة الشمسية في إنتاج الكهرباء من نحو 2% عام 2021 إلى 15% عام 2023، وبلغت مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إجمالًا نحو 20%.
إلا أن هذه الطفرة بقيت إلى حد كبير ممولة من الأسر والشركات والمغتربين، ما جعل الوصول إلى الطاقة النظيفة متفاوتًا بحسب القدرة المالية. فالأسر الأكثر قدرة استطاعت تركيب أنظمة شمسية خاصة، بينما بقيت الفئات الأقل دخلًا أكثر اعتمادًا على المولدات أو معرضة لانقطاع الكهرباء.
قانون الطاقة المتجددة… خطوة لم تكتمل
تشير الدراسة إلى أن لبنان يمتلك أطرًا قانونية مهمة، أبرزها القانون 462/2002 المتعلق بتنظيم قطاع الكهرباء، إضافة إلى قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة الذي أُقر في نهاية عام 2023.
ويتيح القانون الأخير آليات مثل القياس الصافي، وضخ فائض الطاقة في الشبكة، والتبادل المباشر للطاقة بين المنتجين والمستهلكين، واتفاقيات شراء الطاقة.
لكن الاستفادة الكاملة من هذه الإمكانات لا تزال تواجه عقبات، أبرزها عدم اكتمال اللوائح التطبيقية، والمشكلات التقنية، والحاجة إلى تحديث الشبكة، فضلًا عن استمرار التعقيدات المرتبطة بحوكمة قطاع الكهرباء.
وتلفت الدراسة إلى أن الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء لم يبدأ تعيين أعضائها إلا في أواخر عام 2025، بعد أكثر من عقدين على إقرار القانون 462.
التمويل الدولي… محفّز أساسي للطاقة الشمسية
إلى جانب التمويل الخاص، أدّت الجهات المانحة دورًا مهمًا في نشر الطاقة الشمسية، خصوصًا في المؤسسات العامة والبلديات وقطاعات المياه والصحة والتعليم.
ومن أبرز المبادرات مشروع CEDRO الذي نفذه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بدعم من الاتحاد الأوروبي، وساهم على مدى أكثر من عقد في تركيب أنظمة الطاقة الشمسية في المدارس والمباني البلدية والمنشآت الصناعية.
كما نفذت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية مشاريع متعددة في لبنان، ساهمت حتى منتصف عام 2024 في تنفيذ 23 مشروعًا للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تقارب 2.7 ميغاواط للمرافق العامة، إلى جانب دعم الصناعة المحلية وبناء القدرات.
وفي نيسان 2025، وافق البنك الدولي على قرض بقيمة 250 مليون دولار لمعالجة تحديات قطاع الكهرباء، إلا أن شروط الاستفادة منه لم تكن قد استُكملت، وفق الدراسة.
وترى الدراسة أن استمرار التمويل الدولي، خصوصًا من خلال أدوات التمويل الميسّر والضمانات والتمويل المختلط، يمكن أن يساعد في توسيع مشاريع الطاقة اللامركزية، شرط ألا يتحول هذا المسار إلى عامل إضافي لتعميق الفوارق بين القادرين على الاستثمار وغير القادرين عليه.
ما المقصود بالطاقة التشاركية؟
تعرّف الدراسة جماعات الطاقة التشاركية بأنها ترتيبات جماعية يشارك فيها أكثر من طرف في إنتاج الطاقة وإدارتها وتمويلها وحوكمتها وتوزيعها واستهلاكها.
ولا يعني ذلك بالضرورة إنشاء تعاونية بالمعنى القانوني. فالتعاونيات هي أحد أشكال جماعات الطاقة، لكنها ليست الشكل الوحيد. ويمكن أن تكون المبادرة لجنة سكان في مبنى، أو مشروعًا على مستوى حي، أو شراكة بين بلدية ومواطنين، أو تعاونية كبيرة تملك شبكة توزيع.
وتؤكد الدراسة أن الفارق الأساسي بين النماذج لا يكمن فقط في حجم المشروع، بل في من يملك الأصول؟ من يمولها؟ من يتخذ القرار؟ ومن يستفيد من العوائد؟
ستة نماذج عالمية
تحدد الدراسة ستة نماذج رئيسية للطاقة التشاركية:
1- مبادرات السكان على مستوى المبنى:
مثل تجارب مجمعات سكنية في سيول، حيث شارك السكان في تركيب أنظمة شمسية على الشرفات، مع الاستفادة من الدعم البلدي.
2- مشاريع الأحياء والمجتمعات المحلية:
مثل تجربة MOZES في نوتنغهام البريطانية، حيث شاركت عشرات الأسر في مشروع للطاقة الشمسية والتخزين ضمن إطار مجتمعي يهدف إلى خفض فقر الطاقة والانبعاثات.
3- التعاونيات الكبيرة والمرافق المجتمعية:
وتظهر خصوصًا في أميركا اللاتينية، حيث تحولت تعاونيات الكهرباء الريفية في البرازيل وكوستاريكا وتشيلي إلى مرافق واسعة يملكها الأعضاء وتدير شبكات ومنشآت توليد.
وفي إسبانيا، تضم تعاونية Som Energia أكثر من 43 ألف عضو، فيما تضم Goiener نحو 8 آلاف عضو.
وفي كولومبيا، أطلقت الدولة برنامج “جماعات الطاقة”، وتلقى نحو 17 ألف طلب خلال عامين، فيما أصبح نحو 820 تجمعًا للطاقة قيد التشغيل، مستفيدًا منه قرابة 200 ألف شخص.
4- النماذج الهجينة المرتكزة على البلديات:
وتجمع بين السلطات المحلية والمرافق العامة والمواطنين والتعاونيات. ومن أمثلتها بريستول في بريطانيا وبلدية سايربيك في ألمانيا، حيث أصبحت الطاقة جزءًا من استراتيجيات التنمية والمناخ المحلية.
5- التمويل الجماعي وفق منطق السوق:
حيث يشارك المواطنون أساسًا كمستثمرين من خلال منصات التمويل الجماعي، من دون أن تكون لهم بالضرورة سلطة فعلية في إدارة المشروع.
6- المشاريع الخاصة مع إشراك المجتمع:
وفيها تبقى ملكية المشروع لدى المطور الخاص، مقابل إشراك السكان من خلال تقاسم العوائد أو صناديق التنمية أو تأجير الأراضي، كما في مشروع حقل الرياح “كيبيتو” في كينيا.
الحوكمة والتمويل والتشريع… مفاتيح النجاح
تخلص الدراسة إلى أن نجاح أي نموذج تشاركي للطاقة يعتمد على ثلاثة عناصر مترابطة: الحوكمة، والتمويل، والتشريع.
فالملكية الجماعية لا تكون ذات معنى إذا لم ترافقها آليات ديمقراطية لاتخاذ القرار. كما أن مشاركة المواطنين في التمويل لا تعني بالضرورة مشاركتهم في إدارة المشروع.
وتظهر التجارب الدولية أن النماذج الأكثر رسوخًا هي تلك التي اعترفت بها القوانين رسميًا، وأتاحت للتعاونيات والمجتمعات المحلية الوصول إلى الشبكة والحصول على تراخيص واضحة ومصادر تمويل مستدامة.
وفي المقابل، تبقى المبادرات غير الرسمية أكثر هشاشة، وتعتمد بدرجة كبيرة على أفراد أو قيادات محلية قادرة على جمع السكان وتحريك المشروع.
لبنان… تجارب موجودة لكنها غير مكتملة
ترصد الدراسة عددًا من المبادرات اللبنانية التي تحمل ملامح الطاقة التشاركية، وإن كانت معظمها لا تزال غير رسمية أو هجينة.
ومن أبرز النماذج مبادرات في قبريخا، وبعلول، ودير الأحمر، وحاصبيا، وبنت جبيل، والنبطية، إضافة إلى تجربة حي الميناء في طرابلس، وتجربة أحد المباني في شارع الحمرا في بيروت.
في بعض البلديات، نشأت المشاريع من شراكات بين البلديات والجهات المانحة أو المغتربين. وفي حالات أخرى، ساهمت مؤسسة كهرباء لبنان أو جمعيات محلية أو جهات دينية في توفير الأرض أو البنية التحتية.
أما في الميناء – طرابلس، فتبرز تجربة مختلفة تقوم على التعاون بين السكان وتقاسم المساحات والأسطح، فيما شكلت نحو 90 أسرة تجمعات صغيرة تتشارك أجهزة تحويل الطاقة والبطاريات، وأنشأت بعض المجموعات صناديق مشتركة للصيانة.
لكن هذه التجربة بقيت في معظمها خارج الأطر القانونية الرسمية، واعتمدت على مبادرات محلية وتمويل المغتربين.
وفي بيروت، تقدم تجربة مبنى في شارع الحمرا نموذجًا أكثر تنظيمًا؛ إذ يضم المبنى 21 شقة وثمانية محال تجارية، وتولت لجنة منتخبة إدارة المشروع، مع تقاسم متساوٍ للتكاليف، والتصويت على القرارات، وتسجيل المحاضر، واعتماد آليات لفض النزاعات واختيار الموردين.
المشكلة: من يستطيع الوصول إلى الطاقة الشمسية؟
رغم نجاح بعض المبادرات، تحذر الدراسة من أن الطاقة الشمسية قد تتحول، إذا تُركت للسوق والقدرة المالية وحدهما، إلى مصدر جديد لعدم المساواة.
فالأسر القادرة على الاستثمار تستطيع تأمين الكهرباء من مصادرها الخاصة، بينما تواجه الأسر الأقل دخلًا صعوبة في تحمل الكلفة الأولية للأنظمة الشمسية.
كما تواجه المشاريع التشاركية تحديات أخرى، من بينها محدودية الأسطح، والخلافات بين السكان، وضعف القدرات التقنية، وضغوط أصحاب المولدات، والغموض القانوني، والاعتماد الكبير على التمويل الخارجي والمغتربين.
نحو نموذج لبناني للطاقة التشاركية
تخلص الدراسة إلى أن معالجة أزمة الكهرباء في لبنان لا يمكن أن تقتصر على إعادة الاعتبار إلى مؤسسة كهرباء لبنان، أو على تسليم القطاع بصورة أكبر للقطاع الخاص.
فبين هذين الخيارين، توجد مساحة يمكن أن تنمو فيها نماذج محلية تشاركية تجمع الدولة والبلديات والمواطنين والقطاع الخاص والتعاونيات والجهات المانحة.
وتدعو الدراسة إلى تطوير إطار قانوني واضح لتعاونيات الطاقة وجماعات الطاقة، وتحديث القوانين المتعلقة بالملكية المشتركة ولجان الأبنية، وتنظيم استخدام الأسطح والمساحات المشتركة لمشاريع الطاقة الشمسية، إلى جانب تفعيل قانون إنتاج الطاقة المتجددة الموزعة.
كما تقترح إعادة النظر في أدوات التمويل بما يتيح للفئات ذات الدخل المحدود المشاركة في مشاريع الطاقة والاستفادة من عوائدها، بدل أن تبقى الطاقة الشمسية حكرًا على القادرين ماليًا.
من إصلاح الكهرباء إلى إعادة صياغة العلاقة مع الطاقة
الرسالة الأساسية للدراسة تتجاوز الجانب التقني. فانتقال لبنان إلى الطاقة المتجددة يمكن أن يكون فرصة لإعادة التفكير في ملكية الطاقة وحوكمتها ودور المجتمعات المحلية في إدارتها.
وتشير التجارب العالمية إلى أن الطاقة التشاركية ليست نموذجًا واحدًا يمكن نسخه، بل مجموعة واسعة من الترتيبات التي تتكيف مع طبيعة كل مجتمع وموارده وإطاره القانوني.
أما في لبنان، فتظهر مبادرات فعلية في البلديات والأحياء والمباني، لكنها لا تزال مشتتة وتعتمد في كثير من الأحيان على المبادرات الفردية أو تمويل المغتربين أو الجهات المانحة.
ومن هنا، تطرح الدراسة سؤالًا يتجاوز الكهرباء نفسها: هل يمكن أن تتحول هذه التجارب من حلول اضطرارية فرضتها الأزمة إلى نموذج مؤسسي أكثر عدالة واستدامة، يعيد بناء علاقة جديدة بين الدولة والمجتمع والسوق في قطاع الطاقة؟
فإذا كان إصلاح الكهرباء في لبنان يحتاج إلى استثمارات وشبكات وقوانين، فإنه يحتاج أيضًا إلى حوكمة جديدة تقوم على المشاركة والشفافية والملكية العادلة وتقاسم المنافع. وربما تكون هذه هي الخطوة التي تسمح للطاقة الشمسية والطاقة اللامركزية بالانتقال من مجرد وسيلة للبقاء في زمن الأزمة إلى رافعة اقتصادية واجتماعية لمرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package