
كتب جوزف القصيفي نقيب محرري الصحافة اللبنانية في صحيفة الجمهورية
لن يكون لبنان في مأمن من العواصف التي تهزّ المنطقة، ولا من تداعيات الأزمات الدولية الظاهرة والمستترة، ولن تستطيع الدولة حمايته، لأنّها تفتقر إلى الرؤية الشاملة التي تنسجم مع واقع تركيبته «الجيوسياسية»، مكتفيةً بوضع كل «بيضها» في السلة الأميركية، معتبرةً أنّها الألف والياء في اللعبة الدولية – الإقليمية الدائرة رحاها، وأنّ أحداً لا يستطيع الوقوف في وجه سياستها.
ولذلك، فهي تلتمس من إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغطاً يضع حداً للاعتداءات الإسرائيلية، ويضمن انسحاب الغزاة وفق أي صيغة. فالمهمّ تحقيق مكسب واحد تواجه به اللبنانيّين وتقنعهم أنّ لتحرُّكها الخارجي جدواه. لكن أين هو الإنجاز المنتظر، هل انتشار الجيش في مناطق لم يكن للإسرائيلي فيها وجود ثابت أو متحرّك؟
هل استطاعت الدولة إبقاء لبنان تحت المظلة الأممية، وأقنعت الولايات المتحدة بقبول التجديد لـ»اليونيفيل»، باعتبارها الدولة الصديقة التي يركن إليها في مساعدة هذا الوطن المنكوب؟ غداً، ومع انسحاب آخر جندي أممي، سيكون لبنان معرَّضاً لأخطار أشدّ هَولاً، من الداخل والخارج، خصوصاً إذا كان البديل من «اليونيفيل» قوّة دولية متعدّدة الجنسية، سيؤتى بها لمزيد من الضغط على «حزب الله» وبيئته تحت شعار: «سيادة الدولة، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني». وهناك كلام في الأروقة الدولية، بأنّه في حال نجاح تشكيل هذه القوّة، فستُوضَع البلاد تحت «الفصل السابع». وهذا يعني مشروع حرب تتجاوز الهدف المعلن من تشكيل هذه القوّة، إلى مواجهات في الداخل ستقع دون محالة، على رغم من طمأنة المسؤولين من أنّ شيئاً من هذا القبيل لن يحصل.
ويرى سياسي يتسمّ بالحكمة، أنّ الزيارات الرسمية إلى النبطية – على أهمّيتها – لن تؤتي أكلها مهما أُطلقت تصريحات وأُعلنت مواقف، واتخذت مبادرات، وأنّ الحل في مكان آخر، وهو مؤتمر وطني جامع يشارك فيه جميع الأفرقاء، يكون البند الأول على جدول أعماله: وضع استراتيجية أمنية للبنان، يلتزم بها الجميع ويتقيَّد بقواعدها، فلا يعود هناك من مبرّر لأي سلاح خارج الدولة، وتكون مهمّة الدفاع عن وحدة البلاد واستقرارها بيد الجيش اللبناني. إذ لا يمكن لـ»حزب الله» أو مَن كان في وضعيّته أن يسلِّم سلاحه، لأنّ حصول ذلك في غياب رؤية وطنية لكيفية الدفاع عن لبنان وضمان سيادته واستقلاله والحدّ من الأطماع الإسرائيلية ومَنعها من استباحة الحدود براً، جواً وبحراً، وهدم المدن والبلدات والقرى ومسحها عن بكرة أبيها، وخلوّها من أي أثر للحياة، يعني دعوة السكّين إلى رقبة «الحزب»، وهو ما لا يرضاه وبيئته، وسيواجهه بكل الوسائل مهما تكن التكلفة.
ثمة مَن يقول إنّ واشنطن ترفض حالياً مبدأ الحوار الداخلي، بغرض وضع الاستراتيجية الأمنية، بذريعة أنّ الحزب لم يضعف بما فيه الكفاية، وأنّه يجب الانتظار حتى تخور قواه، فيستسلم بالشروط التي تتلاءم ومصلحتها وترتاح إليها الدولة العبرية.
إنطلاقاً من ذلك، لا يتوهّمن أحد أنّ الحل قريب، وأنّ لبنان سيجد سلامه على المدى المنظور، وأنّ المخاض سيكون طويلاً ولا يمكن التكهّن بنهايته.
وفي أي حال، فإنّ الانتخابات الإسرائيلية، وانشغال الرئيس ترامب بالانتخابات النصفية، لن يجعلا لبنان – أقلّه في الأيام المقبلة – في صدارة الأولويات، وسيبقى يترجّح بين المراوحة والتصعيد، حتى أنّه لن يذوق طعم الهدنة.
ولذلك، ينصح هذا السياسي الحكيم بتعزيز الوحدة الداخلية، وأن يضع رئيس الجمهورية تحديداً برنامجاً لتحقيق هذا الهدف، من خلال إطلاق حوار تمهيدي، يفضي إلى مؤتمر وطني لا بدّ منه، لوضع استراتيجية أمنية تكون أقرب إلى الشرعة أو العقد للخروج من النفق. فلا يمكن صَوغ حل من خارج إرادة اللبنانيّين ووحدتهم، لأنّ أي حل يُفرَض بقوّة السياسة أو قوّة السلاح، من غير أن يكون مركوزاً في وفاق وطني واسع وشامل، سينقلب إلى نقمة، ولا يفترض خوض مغامرة كهذه إذا كانت نتائجها غير مضمونة.
من هنا، يمكن القول إنّه لا يزال بإمكان الرئيس جوزاف عون الدعوة إلى مؤتمر وطني للحوار، تُطرَح فيه جميع المشكلات من دون قفازات. ولا يعني هذا أنّ المبادرة إن لم تلقَ نجاحاً أو تحصد نتيجة فورية، ستكون نهاية المطاف وستتسبَّب بانفجار داخلي. فهي، على العكس من ذلك، ستفتح الباب واسعاً أمام دينامية جديدة، قد تساعد في توفير الظروف للخواتيم المرتجاة.
إنّ لبنان بلد مركَّب طوائفياً، ولا يمشي فيه إلّا التوافق. فلا أحد يستطيع فرض أمر ذي طابع مصيري على هذا المكوِّن أو ذاك. ولذا، يُفترَض في الجميع أن يقرأ بعين العقل والمنطق والواقعية المشهد الجيو-سياسي، قبل اتخاذ قرارات تكون مجلبة للندم.
Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package