بقلم : الوزير السابق جوزف الهاشم
فيما لبنان يتخبّط في خِضمٍّ هائجٍ على شفير المقابر …
والمسؤولون يتخبَّطون في خضـمِّ الفِتَن … يتخاطبون بالكلام المسموم كما السِّهام …
لفتَـتْني إطلالةُ السيد حسن نصراللـه ، وتحديداً تلك التي يـردُّ بها صديقاً على استنجاد صديق ، في الأسبوع الذي مضـى .
لا … لم يرفع السيد إصبعَهُ السبَّابةَ ، بـلْ رأيتُه يجمع الأصابع العشر توحيداً في قبضتين جامعتين ، يتعاطف يسالم يحتوي ، يواجهُ الذين يوجِّهون إليه لاذعَ النقـد من تيار المستقبل والقوَّات اللبنانية برحابة الصدر والحلم ، وكأنّـه يقول بلسان الإمام علي بن أبي طالب : “إنْ عُـرِض عليكُمْ سبِّـي فسبّوني …”
إنّها شيمةٌ خلقية يترفّع بها العقلاء عن الأهواء .
“الفيلسوف الإلماني “نيتشه” كان يرسل هديّـةً إلى من يُسيء إليه … “وميرابو” خطيب الثورة الفرنسية وأحـدُ كبار الثقافة والتاريخ : “كانت تَنْـسى ذاكرتُه الإهانةَ عند الشتيمة …”
إطلالةُ السيد هذه ، توافقت مع ذلك اللّقاء الصادم الذي ضـمَّ وزيرَيْ خارجية الولايات المتحدة وفرنسا في باريس ، وهما يعلنان تعاونهما لحـلّ الأزمة اللبنانية “ويحذّران من زوال لبنان … قرّرنا أنْ نتحرك معاً للضغط على المسؤولين عن تعطيل تأليف الحكومة ، ونحن نعرفهم …”
هذا المشهد يشكِّل الضربة القاضية لوطـنٍ جعلوه ذليلاً ، ولمسؤولين جعلوا أنفسهم لصوصاً ، ومواطنين باتوا كأنَّهم أمواتٌ يتنفّسون .
لعل السيد كان يستبق هذا المشهد المُريب ليعلن : “هيهات منّا الذِلَّـة” ، في انعطافةٍ وطنية جامعة ، يُعـوَّلُ عليها وحدَها في لـمْلَمةِ شَتاتِ الوطن المحطّم ، وأجنحةِ دولـةٍ متكسّرة .
أنا أعرف السيد جيداً ، أعرفه من خلال لقاءات حميمةٍ معه يـوم راح لبنان ينزلق في مهاوي الحروب ، وألتَـقي معه على مفارق القيم العليا والمزايا الإنسانية السامية التي يمثّلها إمـامُ الشهادتين ، وما أحوجنا اليوم في المدْلهمِّ من الأيام أن نتعرّف إلى سيرة الإمام علي ومسيرته لعلنا نستقي عبراً تُعيننا على النهوض من مجاهل الوحشية إلى رحاب الإنسانية والقِيـم .
لعلّ النائب جبران باسيل يستأهل في هذه الحـال تحيةَ شكـر ، حتى وإنْ كان يستنجد بالسيّد حكَماً لتحصيل حقوق المسيحيين ، لأننا إذا أردنا أن ننتشل الوطن إلى مستوى المعافاة والتحصين ، فإنّـه من الأجدى أن يطالب المسلمون بحقوق المسيحيين ، والمسيحيون بحقوق المسلمين .
ونعرف أنَّ النائب باسيل إذكى من أن يحمل قميص حقوق المسيحيين المضرّج بالـدم ، كما حمل معاوية قميص عثمان في مناوأَةٍ للإمام علي على الخلافـة … بهدفِ الخلافة .
سماحة السيد .
إنْ الكثيرين الذين يزعجهم جـداً ذلك الإصبع المرفوع تهويلاً أوْ وعيداً، سيكونون فَـرِحين جـداً إذا ما رُفِـعَ الإصبع في وجـه الذين يعطّلون تأليف الحكومة ، وأنت أيضاً تعرفهم ، بل تعرفهم جيداً .
وتعرف أنّ لبنان الغارق في مهالك الكوارث والأرزاء لا يحتاج إلى حكومة بقدر ما يحتاج إلى حكماء يحكمون بالحكمة وعقلاء يحكمون بالعقل ، يحتاج إلى وطنييّـن لا اختصاصيّين ، إلى مصلحين لا إلى فاسدين ، إلى رحماء لا ظالمين .
“وكذلك نولِّـي بعضَ الظالمينَ بعضاً بما كانوا يكسِبون” (سورة الإنعام : 129) .
إني أحثُّ النائب باسيل على مزيدٍ من الإستنجاد بالسيّد حكَماً أو صديقاً، وإني أتـمنَّى أنْ يكون السيد في كـلِّ إطلالةٍ ” بَـيَّ الكـلّ ” .
عن جريدة الجمهورية
بتاريخ : 2/7/2021

Sayidat wa Aamal The Whole magazine Package